المحاماة ليست عملاً مع الأنظمة والنصوص وحدها، بل هي في حقيقتها تعامل يومي مع المشكلات بمختلف صورها.
المحاماة ليست عملاً مع الأنظمة والنصوص وحدها، بل هي في حقيقتها تعامل يومي مع المشكلات بمختلف صورها: قضية، نزاع، استشارة، خطر قانوني، خلل تعاقدي، تعثر في الإثبات، أو إشكال في الإجراء. ولهذا فإن المحامي لا يباشر عمله لمجرد عرض الأحكام أو سرد المواد، بل ليفهم أصل المشكلة، ويقف على حقيقتها، ثم يختار الطريق الأنسب للتعامل معها.
والمشكلة، في معناها العام، فجوة بين واقع قائم ونتيجة يراد الوصول إليها. ولا يكفي في التعامل معها الوقوف عند صورتها الظاهرة؛ وعلى سبيل المثال قد يظن المحامي أن المشكلة هي رفض الطلب، بينما تكون المشكلة الحقيقية في ضعف الإثبات. ولهذا فإن أول ما يحتاج إليه المحامي ليس المبادرة إلى الحل مباشرة، بل فهم المشكلة على وجهها الصحيح.
وليس هذا المعنى خاصاً بالمحاماة وحدها، بل هو جار في سائر المهن التي تقوم على التشخيص وحسن التقدير؛ فقد قيل:
الطبيب الرفيق بطبه، البصير بأمره، العالم بمقدم يده وموضع ميسمه، لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء
. وكذلك المحامي لا يحسن به أن يتعجل في المعالجة قبل أن يفهم المشكلة، ويحدد موضع الخلل، ويميز بين أصل الإشكال وأثره.
وقد يقع في الممارسة أن تُعالج بعض المشكلات بحسن التصرف والتقدير دون وعي منهجي، لكن المحامي، بحكم طبيعة عمله، لا ينبغي أن يترك ذلك للعادة وحدها، بل لابد أن يضبطه منهج واضح.
ومن هنا تظهر قيمة تعلم منهج معالجة المشكلات بجوانبها الستة، وهي: إدراك وجود المشكلة، وتحديدها، وتحليل سببها، وإيجاد الحلول البديلة، وصناعة القرار، ثم التنفيذ. والمقصود من ذلك ليس استعراض خطوات نظرية، بل أن يعمل المحامي على بينة، فلا يختلط عليه السبب بالأثر، ولا يندفع إلى الإجراء قبل اكتمال التصور، ولا يضيق نظره عن الخيارات الممكنة.
وحين يعمل المحامي بهذا الوعي المنهجي، فإنه لا يتحرك في الملف على سبيل العادة، ولا يندفع إلى الإجراء لمجرد أنه أول ما يطرأ له، بل يصبح أقدر على معرفة خطوته: متى يطالب، ومتى يتأنى، ومتى يفاوض، ومتى يخاصم، ومتى يحتاج إلى مزيد من التثبت. وبهذا لا تكون فائدة المنهج أنه يقود إلى حل فحسب، بل إنه يضبط النظر، ويحسن القرار، ويقلل الارتجال، ويرفع جودة العمل.
ولهذا فإن تعلم طرق معالجة المشكلات ليس أمراً زائداً في مهنة المحاماة، ولا مهارة جانبية تضاف إليها من خارجها، بل هو من صميمها؛ لأن هذه المهنة قائمة في جوهرها على فهم المشكلات وتقديرها ومعالجتها. والمحامي الجيد لا تقاس قيمته بما يعرفه من الأنظمة وحدها، ولا بما راكمه من التجارب فحسب، بل بطريقة نظره إلى المشكلة، وكيف يفهمها، وكيف يختار طريق التعامل معها.
وأخيراً، فإن هذا المقال دعوة إلى الجامعات، ومراكز التدريب، والمحامين، للنظر في وضع منهج تعليمي وتدريبي يعنى بأساليب وطرق حل المشكلات لطلاب القانون والشريعة.
