يقول الأديب والمفكر السوري محمد كرد علي: «كلما زاد عدد رجال المحاماة طال حل القضايا، وزادت النفقات على الدعاوى». هل لا يزال هذا صحيحاً اليوم؟
يقول الأديب والمفكر السوري محمد كرد علي (توفي عام 1953م)، رحمه الله: «كلما زاد عدد رجال المحاماة طال حل القضايا، وزادت النفقات على الدعاوى؛ أتعاب المحاماة سبب هذا التطويل والتضليل».
في زمنه، كانت المهنة أقل تنظيماً، والإجراءات القضائية أبسط، وربما كان من الطبيعي أن يُنظر إلى المحامي بوصفه عاملاً يطيل الإجراءات أكثر مما يسرّعها.
أما اليوم، فقد تغيّر دور المحامي، فأصبح وجوده في جوهره وسيلةً إلى تنظيم النزاع، وضبط مساره، والإسهام في تسريع الفصل فيه، لا إلى تعقيده، متى أُديت المهنة على وجهها الصحيح.
ومع أن هذا التصور لا يصح حمله على المهنة بإطلاق في صورتها الحديثة، فإن بعض نماذج الأتعاب قد تبقي عند العميل شيئاً من هذا التحسس؛ إذ قد يشعر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن طول أمد القضية وكثرة الساعات مورد مالي للمحامي، في حين يمثلان عليه عبئاً متزايداً، لا سيما إذا كانت التكلفة غير واضحة الحدود والمعالم.
ومع ذلك، يبقى الإشكال قائماً في بعض نماذج التسعير، ولا سيما احتساب الأتعاب بالساعة؛ إذ قد يجعل طول أمد القضية والإجراءات عبئاً مالياً متزايداً على العميل.
ولا يعني ذلك أن التسعير بالساعة خطأ في ذاته؛ فهو قد يكون مناسباً في بعض الأعمال القانونية. غير أن الإشكال فيه أنه، مهما بلغ وضوح نطاق العمل وشفافية الفوترة، يبقى أقل قابليةً للتنبؤ من جهة التكلفة النهائية، سواء للعميل أو للمحامي.
فالمتعامل مع المحامي لا يقصد في الأصل شراء ساعات عمل مفتوحة لا يُعرف سقفها لحين انتهاء الخدمة أو المشروع، بقدر ما يقصد شراء فهم، وتوجيه، ونتيجة، أو على الأقل تقليل المخاطر.
ولهذا أصبح هذا النموذج اليوم محل نقد ومراجعة من العملاء والمحامين والمحاسبين القانونيين، خصوصاً بعد جائحة كورونا، إذ ازداد الطلب على وضوح أكبر في الأتعاب، وتقليل أسباب الخلاف بشأنها.
أما في سوقنا السعودي، فالشائع - على الأقل في المكاتب والشركات المتوسطة والصغيرة - هو نموذج التسعير الثابت، ومع ذلك يرى بعض المحامين أن من المناسب التحول - ولو جزئياً - إلى التسعير بالساعة في بعض الخدمات القانونية.
وهنا تظهر المفارقة: ففي الأسواق التي شاع فيها التسعير بالساعة، بدأ كثير من المهنيين يميلون إلى التسعير الثابت طلباً لمزيد من الوضوح. وفي المقابل، بدأ في سوقنا السعودي ميلٌ إلى التسعير بالساعة، باعتباره أدق وأوضح وأقرب إلى المهنية المنظمة.
ومن هنا يبرز السؤال: متى يكون التسعير بالساعة عادلاً ومناسباً؟ ومتى يكون التسعير الثابت أعدل وأوضح؟ وهل يكون الحل في نموذج هجين يجمع مزايا الاثنين؟
ولعل النقاش لا يقف عند المفاضلة بين التسعير بالساعة والتسعير الثابت، بل يمتد إلى سؤال أوسع: هل يمكن أن يتحول نموذج عمل المحامي - في بعض خدماته على الأقل - من بيع الوقت إلى بيع القيمة والمنتج؟
ذلك أن جانباً من الإشكال لا يتعلق بطريقة احتساب الأتعاب وحدها، بل بطبيعة الخدمة القانونية نفسها؛ فهي خدمة غير ملموسة، وتحويلها إلى صورة أقرب إلى المنتج الملموس ليس مجرد تسمية، بل يحتاج إلى دراسة صحيحة في البناء، والنطاق، وطريقة العرض.
وفي مقال لاحق، إن شاء الله، يمكن تناول هذه الفكرة بمزيد من البيان، وشرح كيف نصمم بعض الخدمات القانونية غير الملموسة في صورة أقرب إلى المنتج الملموس في نظر العميل.
