كثير من المحامين يتعاملون مع المخاطر بوصفها جزءا من طبيعة العمل اليومي؛ فيراجعون المستندات، ويتابعون المواعيد، ويتداركون النقص، ويستعدون للطوارئ. وهذا التعامل حاضر في الممارسة المهنية بالفعل، إلا أنه يجري في أحيان كثيرة بوصفه ممارسة مكتسبة بحكم الخبرة والاعتياد، دون أن يكون محكوما بمنهج واضح ومنضبط.

ومن هنا، فإن إدارة المخاطر في القضايا ليست أمرا خارجا عن واقع المحاماة، بل هي قراءة منهجية لجزء أصيل من الممارسة المهنية، تحول ما يباشره المحامي بحكم الخبرة إلى عمل أكثر وعيا وتنظيما واستباقا، بما ينعكس على جودة الأداء.

ولا يقتصر الخطر في القضية على ضعف المركز النظامي، بل ربما ينشأ كذلك عن أخطاء مهنية، أو إجرائية، أو تشغيلية، أو تقنية، كان يمكن توقعها وتقليل أثرها قبل أن تتحول إلى خسارة فعلية.

ما صور المخاطر في القضايا؟

يمكن النظر إلى المخاطر من زاويتين: • من حيث المصدر: مخاطر داخلية تقع ضمن نطاق إدارة المكتب، ومخاطر خارجية تخرج عن السيطرة المباشرة. • ومن حيث الطبيعة: وتظهر في صور متعددة، من أبرزها:

1) مخاطر مهنية: مثل ضعف دراسة القضية، أو ضعف الترافع، أو ضعف التحليل والصياغة، أو تقديم رأي غير دقيق، أو غياب خطة واضحة للقضية.

2) مخاطر إجرائية: مثل غياب المحامي عن الجلسة، أو الحضور دون تحضير، أو دون وكالة سارية، أو التأخر عن الموعد، أو تفويت المواعيد النظامية.

3) مخاطر تشغيلية: مثل حصر الملف في شخص واحد، أو غياب البديل عند الطوارئ، أو ضعف توزيع المسؤوليات، أو تكليف المتدرب دون منهجية واضحة.

4) مخاطر تقنية ووثائقية: مثل فقدان الاتصال، أو عدم توفر نسخ من المستندات، أو ضعف حفظ الملفات، أو حصر الوصول إلى الملف في شخص واحد.

5) مخاطر تتعلق بالتواصل مع العميل: مثل اتخاذ قرارات في القضية دون علم الموكل، أو عدم إخطاره بالمستجدات في الوقت المناسب.

6) مخاطر الالتزام المهني: مثل مخالفة نظام المحاماة أو قواعد السلوك المهني.

7) مخاطر خارجية: مثل الأعطال المفاجئة، أو الظروف الطارئة، أو التغييرات الإجرائية غير المتوقعة.

ماذا تعني هذه القائمة عمليا؟

هذه القائمة وردت على سبيل المثال لا الحصر، والمقصود منها لفت النظر إلى أن المخاطر في القضايا ليست أمورا استثنائية أو بعيدة، بل هي صور تتكرر في العمل اليومي بدرجات متفاوتة.

وهذا يعني أن حماية القضية لا تبدأ من قاعة المحكمة فحسب، بل تبدأ من داخل المكتب: من طريقة تنظيم العمل، وتوزيع المسؤوليات، ووضوح الخطة، وجاهزية الفريق.

إدارة المخاطر: جزء من جودة العمل

الحديث عن إدارة المخاطر في القضايا لا يقصد به إضافة عبء إداري جديد، بل النظر في صميم المهنة وضبطها منهجيا بما يرتقي بالممارسة المهنية. وإدارة المخاطر، من حيث هي جزء من طبيعة العمل القانوني، ليست مفهوما يخص العمل الجماعي وحده، بل إن المحامي الفرد ينبغي أن يكون أول الملتزمين بها؛ لأن مباشرته للقضية تقتضي منه وعيا بما قد يطرأ عليها من مخاطر، واستعدادا لها، وحسن تدبير في التعامل معها. فالمحامي لا تقاس جودة عمله فقط بقوة الحجة وسلامة التكييف، بل أيضا بسلامة الإدارة، ودقة الإجراء، واستمرار المتابعة، وحسن التواصل، والاستعداد لما يمكن توقعه قبل وقوعه.