ليست الاستشارة القانونية خطوةً تُطلب بعد وقوع النزاع فقط، بل تظهر قيمتها الحقيقية قبل الالتزام، وقبل التوقيع، وقبل اتخاذ الإجراء.
ليست الاستشارة القانونية خطوةً تُطلب بعد وقوع النزاع فقط، بل تظهر قيمتها الحقيقية قبل الالتزام، وقبل التوقيع، وقبل اتخاذ الإجراء. فالمشورة المبكرة تساعد على فهم الالتزامات، وكشف المخاطر، وتقليل احتمال الخطأ، وقد تكون أقل كلفة من معالجة الأثر بعد نشوئه. ولهذا تعد الاستشارة القانونية في جوهرها وقاية مبكرة، لا مجرد علاج متأخر.
وتنبع أهميتها من أن صاحب الشأن، مهما بلغ حرصه وفطنته، قد لا يرى المسألة في صورتها المجردة، لأنه يكون في الغالب قريباً منها، متعلقاً بنتيجتها، متأثراً بما يرجوه أو يخشاه. ومن هنا تأتي قيمة الاستشارة؛ فهي تدخل إلى المسألة نظراً أكثر تجرداً، وتكشف ما قد يخفى على صاحبها، وترد الأمر إلى تقدير أقرب إلى الموضوعية وأبعد عن أثر الانفعال.
والأصل في الاستشارة أن يقصد بها الوصول إلى رأي مهني صادق، قائم على الدراسة والبحث، وسلامة التعليل، وصدق التقييم؛ مهما كانت النتيجة، ومهما وافقت ما يرجوه طالب الاستشارة أو خالفته. فالرأي النافع ليس ما يجامل صاحبه، بل ما يكشف له حقيقة مركزه القانوني وما يترتب عليه، وكما يقال: نقد المخالفين أنفع من ثناء الموافقين.
ولا تقف منفعة الاستشارة عند بيان الحكم أو توصيف المشكلة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ تساعد على اختيار الطريق الأنسب للتعامل مع المسألة من أصلها. فقد يكون الأصلح هو الإقدام، وقد يكون التأجيل، وقد يكون التعديل، وقد يكون الصلح أو التفاوض أو غير ذلك من المسارات التي تحفظ المصلحة وتقلل النزاع.
وخلاصة الأمر أن الاستشارة القانونية وقاية مبكرة، لكن أثرها الحقيقي لا يظهر إلا حين تطلب بقصد الاهتداء، وحين يكون المقصود منها الوصول إلى الصواب لا مجرد تأكيد ما سبق أن استقر في النفس. فمن قصدها بهذه الروح، كان أقرب إلى سلامة قراره، وأبعد عن كلفة الخطأ، وأحفظ لحقه قبل أن يدخل في نزاع أو يندم على تصرف لا يمكن الرجوع عنه. ومما يروى عن عبدالملك بن مروان: "لأن أخطئ وقد استشرت أحب إليَّ من أن أُصيب من غير مشورة".
